زيارة الأربعين وأول من زار الإمام الحسين (ع)

أنا من حسين  مسيرة الأربعين

قال الكفعمي رحمه الله: إنما سميت بزيارة الأربعين لأن وقتها يوم العشرين من صفر فيكون أربعين يوماً من مقتل الحسين (ع) في العاشر من المحرم، وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله الأنصاري من المدينة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (ع)، فكان أول من زاره من الناس وفي هذا اليوم أيضاً كان رجوع حرم الحسين (عليه السلام) من الشام إلى كربلاء مرة أخرى بقيادة الإمام زين العابدين (عليه السلام) فالتقى بجابر (عليه السلام).

 

من هنا بدأت زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)، حيث إنه اليوم الذي رجعت فيه رؤوس أهل البيت (عليهم السلام) إلى أبدانهم في كربلاء.

 

من علامات المؤمن زيارة الأربعين

ولأهمية هذا اليوم عدّ من علامات المؤمن فيه أن يزور قبر الحسين (عليه السلام)، فقال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين والتختم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

 

من هو جابر الأنصاري؟

اسمه جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري صحابي جليل القدر وانقطاعه إلى أهل البيت (عليهم السلام) وجلالته أشهر من أن يذكر مات رحمه الله سنه (78) هـ، وأنه كان بدرياً أحدياً شجرياً، وكان ممن يحظ من أصحاب رسول الله في مودة أمير المؤمنين (عليه السلام).

الروايات في فضل جابر كثيرة ويكفيه فخراً أنه هو الذي بلغ الإمام الباقر (عليه السلام) سلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك أن جابر سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الشفاعة يوم القيامة فضمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) له ذلك.

 

جابر وزيارة الأربعين

ووقف جابر الأنصاري على القبر فأجهش بالبكاء وقال يا حسين ثلاثاً، ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه وأنّى لك بالجواب وقد شطحت أوداجك على أنباجك، وفُرقَّ بين رأسك وبدنك، فأشهد أنك ابن خاتم النبيين وابن سيد المؤمنين وابن حليف التقوى وسليل الهدى وخامس أصحاب الكساء وابن سيد النقباء وابن فاطمة سيدة النساء، ومالك ما تكون كذلك وقد غذتك كف سيد المرسلين، وربيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان وقطمت بالإسلام فطبت حياً وطبت ميتاً غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك ولا شاكة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه، وأشهد انك مضيت على ما مضى عليه أخوك المجتبى، ثم جال بصرة حول القبر وقال:

“السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين وأناخت برحله، وأشهد أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين، والذي بعث محمداً بالحق نبيا، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه، فقال له عطية العوفي: كيف؟ ولم نهبط وادياً ولم نعل جبلاً ولم نضرب بسيف والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم وأؤتمت أولادهم وأرملت الأزواج، فقال له جابر: إني سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من أحب قوماً كان معهم ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم، والذي بعث محمداً بالحق نبيا إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين عليه السلام وأصحابه.”

 

من الآداب التي تؤثر في روحية زيارة الأربعين

إنّ الشرط الأول من شروط تحصيل النيّة في أيّ عمل عبادي هو اليقظة، وعدم الإتيان بالعمل على نحو العادة. وكي تتحقّق هذه اليقظة لا بدّ من حصول المعرفة بالمزور، ولمَ فرض الله طاعته، وثواب زيارته. هذه معرفة بمراتب ثلاث:

 

أ- المعرفة بالمزور:

التي تعني معرفة حقّه، ومقامه، وشأنه، وموقعه في مشروع الهداية الإلهيّة، ومعرفة الأثر المترتّب على الاتصال به؛ لأنّ الزيارة هي تقرير شفهيّ لجدول الاعتقادات، فالزائر يقف بين يدي المزور ويصرّح عنده بمعتقداته: “أشهد أنّك تشهد مقامي وتسمع كلامي”، “أشهد أنّك كنتَ نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة”، أو “أشهد أنّك أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرتَ بالمعروف ونهيتَ عن المنكر”. فالزيارة لا تعني عبادة المزور، وإلّا كان الحجّ عبادةً للكعبة ولا يختلف عن عبادة الأصنام في شيء.

 

ب- معرفة فلسفة الامتحان بطاعةِ الوليّ:

يجب أن نعلم أنّ النفس لا يحصل عندها الانكسار العبوديّ بمجرد الالتفات المباشر إلى عظمة الله تعالى؛ لأنّ عظمة الله أكبر من كلّ منافسة، فلا يُختبر الإنسان في عبوديته وتواضعه إلّا بالأوامر الإلهيّة التي صدرت منه تعالى، مثل: «إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»، «ص: 73-74». واعتقادنا بأهل البيت عليهم السلام هو أنّهم محلّ اختبار العبوديّة الحقيقية في الأوامر الإلهيّة، فنحن نزور أهل البيت عليهم السلام لأنّهم أبواب رحمة الله التي أمرنا الله بالتوسل بها وزيارتها.

 

ج- معرفة ثواب الزيارة:

إذا التفتنا إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام والثواب المترتّب عليها، نجد أنّها شعيرة ركّز عليها أهل البيت عليهم السلام لمحورية القضية الحسينية في بقاء الدين والتوحيد. وبقدر ما يكون الإنسان موحداً، ينعكس توحيده في احترام وتقدير وتوقير من ضحَّى بنفسه لأجل بقاء هذا الدين التوحيدي. فإذا كنت محمديّاً بحقّ عليك أن تكون مَديناً للحسين عليه السلام بحقّ.

 

مراعاة المستحبات المعروفة

على الزائر مراعاة المستحبات المعروفة، كالغُسل قبل الخروج إلى الزيارة، والبقاء على طهارة، وارتداء اللّباس الطاهر والنظيف والجديد، ويُفضَّل الأبيض، إلّا في مناسبات العزاء فيُستبدل البياض بالسواد، الذي أصبح جزءاً من شعيرة الحداد على سيّد الشهداء عليه السلام، والدخول إلى كربلاء بحالة الأشعث الأغبر بغبرة الطريق، كل هذه الآداب لكي تتناسب طبيعة الزائر مع حالة سيد الشهداء عليه السلام عندما كان في كربلاء. ومنها:

 

1- أثناء المسير:

لحضور القلب يفضّل عدم التلفّت أثناء المشي، والانشغال بذكر الله سبحانه وتعالى أثناء الطريق والإطراق إلى الأرض، والتأمل والتدبّر، وتقصير الخطى والمشي بوقار وبهيبة، وقراءة الأدعية الخاصّة.

 

2- الدخول إلى الحرم:

عندما نصل إلى مشارف الحرم، نكون قد أزلنا بعض الموانع والانشغالات، فنبدأ بالزيارة دون عناء، وعندما نصل إلى إذن الدخول وقد دخلنا في أجواء الحرم، نحتاج إلى المقدّمات المعرفية التي تحدّثنا عنها. كان بعض العلماء ينبّه أبناءه قائلاً: إيّاكم أن تكونوا كاذبين في قولكم: “أشهد أنّـك تشـهــد مقامي”. كما يُلـفــت العلمــاء إلى أنّ الهيبــة التي سيزرعها الحضـور بيــن يدي المعصوم عليه السلام، يجب أن لا تشغـلنا عن عظمــة المولى عزّ وجلّ.

 

3- اختيار الصحبة:

ولا ينبغي الغفلة عن اختيار الصحبة، فصاحِب مَن لديه توجّه روحيّ ومعنويّ، ليرفدك ويقوّي همّتك ونيّتك.

المصدر : قناة النعيم